المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المهاجر * قصة قصيرة قديمه عن الدكتاتورين القذافي وصدام



جــبروت رجــل
02-03-2011, 06:57 PM
http://www.information.dk/files/imagecache/article_image_popup/avisbilleder/alternative/gaddafisaddam8917243213.jpg


كان علىَّ اليوم أن أرى فيلم المهاجر. اتصلتْ بي زوجتي عندما كنت في عملي وأخبرتني بالأمر فجأة. تطلعت إلى الاوراق المتناثرة فوق منضدتي، شعرت بالاحباط مرة واحدة. عاتبتها قائلاً لها " كان المفروض أن تخبروني قبل هذا الوقت"! قالت بلا اكتراث إنها أصلا لم تعلم بعرض الفيلم بالتلفزيون إلا قبل عدة دقائق. هكذا حدثت الأمور دون سابق إنذار. أبديت امتعاضي بينما ردَّت عليَّ متهكمة :" أنت تحكي عن الحياة و كأنها حرب، صديقتي عفاف إتصلت بي تلفونيا وأخبرتني عن الفيلم وانتهى الامر ". رددتُ غاضبا: " طبعا حرب، طبعا حرب " ووضعتُ السماعة بدون أن أودّعها. كنت حانقا ولكني لم أكن أرغب أن أُظهرفقدان توازني، عملت كلَّ شيء وكأن الامور اعتيادية، كنت متألما فعلا ولكن بالتأكيد ليس بسبب العرض المفاجيء لفيلم المهاجر فحسب.
عدتُ إلى البيت مجهداً، أعاني من النعاس والدوخة والضغط، خائفا أن تتحولَ الدوخة إلى صداع والاخير إلى شقيقةٍ. تناولتُ أقراص الأسبيرين بعد وجبة الأكل مباشرة. مددتُ جسمي على الكنبة أشاهد الفيلمَ بعينين شبه مغمضتين. قاومتُ التعبَ والنعاس، اندمجتُ مع الفيلم و كأني اعيشه بكل تفصيلاته، تذكرتُ اللاجئين الذين أعملُ معهم، تالمتُ كثيرا، بل شعرت بنار تلتهب في جسدي، أي حريق كان هذا؟، ثم انطفأتُ.
غاب الفيلم عني وبقيت أفكاره في رأسي.. كان علىَّ ألا أمد جسمي على الكنبة ولا على فراش النوم قبل وقت النوم، بل عليّ أن أقوم بذلك في ساعة متأخرة من الليل وبعد أن ينهار جسدي ويدركني النعاس فعلا، عندها سأضمن النوم حتى الصباح بالتأكيد.
هكذا قال الدكتور النفساني المعتوه اليوم لاحد مرضاه اللاجئين عندما كنت أترجم له. اذكر أنه قال له لا تمد نفسك في الفراش قبل ساعة النوم المتأخرة، قبل الهجيع و قبل أن تتأكد فعلا بان عقلك لن ينشغل بأفكار تقلقه كي لا يصيبك الأرق. وكرّرَ له لازمته: عليك أن تجهد جسمك عضليا في النهار، تشم الهواء الطلق في الغابة، لدينا غابات جميلة هنا وإنسَ همومك القديمة، إسترخِ قدر المستطاع.
وكان المريض أيضا يكرر له نفس الكلام كما في كل مرة: هذا كلام سهل، جرب أن تعيش عندنا مرة واحدة و تعاني ظروفنا، جرّب أن ُتجبر على الهرب بدون عائلتك وأطفالك وان تترك عملك وأصدقائك، أنا كان لي كيان وشخصية واحترام من الجميع أما الان فانا لاشيء، ينظرون لي نظره هاشمية عفوا أقصد هامشية، ويعتبروني مجرد نكرة، فعلا صحيح المثل يقول: اللي طلع من داره نقص مقداره، كيف أسترخي وأنا مدمر لا أعرف عن عائلتي أيّ شيء، أكلهم، شربهم، ملابسهم، صحتهم؟
وكالعادة ينهمر المريض الغريب في البكاء بعيدا عن دياره و أهله آلاف الاميال، بينما يردد النفساني: مع ذلك جرب أن تشم الهواء الطلق والانشغال بأعمال يومية تلهيك وتجهد جسدك كي تنام في الليل.
الذي حصل اليوم هو أني مددت جسدي قبل وقت النوم بكثير ولكني كنت خائر القوى، غلبني النعاس ولم أقاومه وإنتهى الأمر.

في النوم حلمتُ، رأيتُ رؤيا فيها أحداث كثيرة لا أذكرها طبعا كلها. ولكني أعتقد أني رأيت حلما قديما. رؤية جديدة لمنام عتيق بقي يلازمني، طبعة محدثة لنسخة سابقة.
حلمتُ بأحد الزعماء من الذين تربعوا على العرش واستحوذوا على كل شيء ومع ذلك ينادون بشعار كبير: الديمقراطية والسلطة والثروة والسلاح للشعب، ويرفع شعارات أخرى كبيرة وكثيرة مكتوبة على الحيطان والكتب المدرسية وتتردد في الاذاعات ومحطات التلفزيون والحارات والشوارع واللجان في كل مكان وفي لافتات القماش والورق ويرفعُ يدَه دائما محيّاً شعبه العظيم.
هذا الشعب يصرخ يوميا بالروح بالدم ... و مع ذلك يحلم أكثر من ثلاثة أرباعه بالهروب إلى خارج البلاد حيث اللجوء و يعاني أكثر من نصفه من الفاقة والعوز والحرمان و الحالات و الأمراض النفسية. وقسم صغير يعيش على الهتافات والفتات أما الباقي منه فهو مجرد وقود للحروب و القتل والدمار والمظاهرات والفوضى. حاولت أن أقوم بمسائل الطرح والجمع والضرب والقسمة لاكتشف من يقف مع هذا الرئيس ومن يحب أن يعيش في كنفه الثوري فلم أخرج بنتيجة غير أن الجميع معه وضده في الوقت نفسه!! إنه أمر أكثر من عجيب وغريب ورهيب ومريب. المترجمون والاطباء والاطباء النفسانيون والمحللون النفسانيون والممرضات والممرضون والشرطة والمحامون والسياسيون التقدميون والعنصريون المعادون للأجانب والمتعاطفون معهم وأعضاء البلديات والبرلمانات هم أكثر من ينشغل بهم في بلدان اللجوء.

أذكرُ أن هذا القائد الثوري والزعيم الفذ قال لي، في الحلم طبعا فأنا و الحقيقة ُتقال لم يحصل لي الشرف و أن تحدثت إليه مباشرة، بأنه يعلم جيدا كيف يتعامل مع أبنائه. وقال لي بالحرف الواحد : "هؤلاء ليسوا بشراً، هؤلاء بهائم، أيوه، نعم هذوله بهايم ما يستحقون الحياة حتى في الحضائر، وعلينا أن ننقلهم نقلة نوعية ونحولهم إلى رجال ثوريين بكل معنى الكلمة، فهمت؟ الذي يعجبه أن يصير ثورياً يبقى معانا أما من ينكر علينا هذا الحق والواجب والمسؤولية ويتنكر له ولنا ولا يعجبه خلّيه يورّينه عرض كتافه، الباب توسع ألف ألف جمل واللي مش عاجبه يبلط البحر ويشرب من ميته ويغور من وجهنا في ستين داهية ويطلع برّه يعيش على فتات الاخرين و يصير من الكلاب الضالة".
أعتقد أنه قال: في ستة وستين ألف داهية. في المناسبة كان هذا الزعيم يستخدم سبابته اثناء الحديث، ينطق نصف الجملة و يبقى نصفها الاخر في راسه، أو يعبر عنها و يشير إليها باشارات وإرتسامات على المتلقي ان ينتبه لها، ويخاطب حاشيته بعينيه وشفتيه، يقلب على كل الموجات و عيناه تتحركان بطريقة يصعب وصفها، رجل معتوه بكل معنى الكلمة ولكن أهم ما يمكن أن يقال عنهما إنهما تتطلعان إلى السقف والارض تراقبان كل شاردة وواردة، والاهم من ذلك أن هذا الزعيم الفذ صاحب المواهب، عاشق الحمايات من الرجال والنساء والمواكب والجلسات والمناقب، مهندس وطبيب، مدرس وحبيب، يتقن جميع لهجات العرب العاربة والمستعربة ولغات العالم الثالث الحية والميتة ولهجاته المعروفة والمجهولة.
و إنه والحق بقال كان يتحدث إليّ بنوع من الود والتواضع، أو على الاقل أنه يتظاهر بذلك، يبتسم عندما يقول كلماتٍ عربية ًمن لهجات أخرى متطلعا إلى رجاله الملثمين و غير الملثمين من الشباب والكهول، وكان لسان حال عينيه يقول: ليجرب من تسولُ نفسه أن يعبث أو أن يصطاد في الماء العكر.
طبعا لم أجادله رغم شعوري بأني صاحب حضوة و احترام لديه، بل أردت و فكرت فقط أن أنبس ببنت شفة مقاطعا إياه لأساله عن سرِّ إنعدام الطحين في السوق. كنت أفكر في طريقة طرح السؤال من منطلق ودّي، رفاقي أو وطني، أو بسبب الرعاية التي أحاطني بها، لكن السؤال بقي متخمرا في رأسي و لم أتجرأ النطق به.
* * *
فجأة وجدتُ نفسي في مكان آخر، غارقا في أكوام الطحين وفمي مليء به. حاولت أن أصرخ ولكن دون جدوى. كان الدقيق الأبيض يسد كلّ منافذ فمي. كان هناك من يركل مؤخرتي قائلا بسخرية " كُل و إشبع يا حمار، يا بهيمة ... " يبدو أن عيون الثورة ساهرة حقا. لكن كيف علموا ما في داخل عقلي؟ إنه أمر غريب للغاية!
* * *
هذه الرؤيا قديمة. حلمتُ بها أيام زمان أكثر من مرة ولكن بالأسود والأبيض، أما اليوم فإني رأيتها بطريقة أكثر عصرية، سكوب ملون. يعني باختصار مثل الأفلام القديمة عندما تلونها شركات السينما.
كان الزعيم الثوري يرتدي ملابس مليئة بالنياشين ويعتمر نظارة ويمسك مجموعة قصص ويتحدث عن الأدب والتاريخ والجغرافية ويتفوه ببعض الكلمات الهزلية متعمدا إضحاك المستمعين. وكان أزلامه يتطلعون إلى شفتيه، يضحكون بل يقهقهون لمجرد ارتسام إبتسامة صغيرة عليهما ويهتفون بين فترة وأخرى: عاش، يعيش، القائد، القائد، بينما يؤشر هو بيده مبتسما دلالة على الرضا والتواضع و الأبوة والأستاذية والقيادية وكانت عيناه تتراقصان وتتحركان على كل الاتجاهات.
* * *
فززتُ من النوم. إحترقَ الفيلم. إنقطعتْ مشاهد الكابوس وضاعت خيوطه. تطلعت إلى الصالة، وجدت الهدوء والظلام يخيمان عليها، الجميع نيام، تطلعتُ إلى ساعة الحائط، كانت تشير إلى منتصف الليل، قلتُ لنفسي متشائما: "لا إله إلا الله، يبدو أن رحلة الأرق بدأت".
صارت مشاهد الكابوس تتوارد عليّ كالخواطر. بدأت أتذكر بعض مقاطعه. حاولتُ تصورها. لم أفلح. لكنني تذكرت غرقي أو بالأحرى دفني بالطحين و صورةَ الزعيم قائلا لي: إهتم بأمورك و دروسك وأنا خير من يفهم بأمور هذول البهائم اللي يفكرون بالامور السخيفة مثل الدقيق والخبز ويتركون قضايا الوطن و الثورة و السلاح!!
الصحراء الكبرى- الدنمارك
1987-2000

------------------------
* نشرت قصة المهاجر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 26 تشرين الأول 2000

02/03/2011
د. زهير ياسين شليبه

ام فيصل
03-03-2011, 10:12 AM
مشكلة الشعوب العربية انها هي من تسلط الجبابرة والطواغيت على رؤوسها
وهم من يمجدوا الأقزام والاصنام ويرفعوا الوضعاء لأنهم نسوا او تناسوا انهم ابناء الشرفاء والشجعان الرافضين للذل والهوان والذين لم ينكسوا رؤوسهم لأي متجبر يلعب بمقدرات بلدهم

العيب في شعوبنا وسباتهم على الضيم ياعزيزي
ولكن بعد هذا السبات هاهي تنتفض لتهز العروش والعقول الخاوية لولاة امرها وتصرخ باعلى صوتها

لا للذل والهوان ,,, نعم لصوت الشعب

شكرا لك عزيزي على هذه القصة المعبرة
ودام لنا تالقك
وعذرا لمداخلتي الطويلة

كل التقدير لك ياجبروت