المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار



mohamed_atri
28-01-2012, 09:03 PM
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الانسان ما لا يعلم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم وبعد هذا الموضوع في ذكر بعض الفصحاء من الرجال قيل: من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار وسمع النبي صلى الله عليه وسلم من عمه العباس كلاماً فصيحاً فقال: بارك الله لك يا عم في جمالك. أي فصاحتك.
وقال فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطيانها، فيعرف صحيحها من مكسورها، فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه.
وقال المبرد قلت للمجنون أجزني هذا البيت:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمه ... وإبراقه فاليوم لا شك ماطر
فقالا:
وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المحاجر


يروى عن الحسن بن الفضل انه دخل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم، فأحب الحسن أن يتكلم، فزجره وقال: يا صبي تتكلم في هذا المقام؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبياً، فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال: أحطت بما لم تحط به، ثم قال: ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى.


ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، أتته الوفود، فإذا فيهم وفد الحجاز، فنظر إلى صبي صغير السن، وقد أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسن منك، فإنه أحق بالكلام منك، فقال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك، قال: صدقت، فتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي من علينا بك، ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك، أما عدم الرغبة، فقد أمنا بك في منازلنا، وأما عدم الرهبة، فقد أمنا جورك بعدلك، فنحن وفد الشكر والسلام. فقال له عمر رضى الله عنه: عظني يا غلام. فقال: يا أمير المؤمنين إن أناساً غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم، فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه، فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم: " ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " .


فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة، فأنشدهم عمر رضي الله تعالى عنه:
تعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل


وحكي أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يكلموه، وكان فيهم درواس بن حبيب، وهو ابن ست عشرة سنة، له ذؤابة، وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقاً فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشراً وطياً، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته، فأعجبه كلامه، وقال له: أنشره لله درك،


فقال: يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، وفي أيديكم فضول مال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم، فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم، فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذراً، فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج من عنده وهو من أجل القوم.